أكثر من 100 ألف نازح داخل البلاد وآلاف يعبرون باب المندب نحو جيبوتي، بينما تواجه عمليات الإغاثة نقصاً في التمويل وصعوبات متزايدة في الوصول إلى المتضررين
أدى التصعيد العسكري الذي تقوده جماعة الحوثي المدعومة من إيران على الساحل الغربي لليمن إلى موجة نزوح واسعة تجاوزت تداعياتها حدود البلاد، بعدما وسعت الجماعة نطاق سيطرتها في مديريات جنوب الحديدة وغرب تعز واقتربت من مضيق باب المندب، في وقت تواجه فيه الأسر الفارة نقصاً حاداً في المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية.
وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن تصاعد الأعمال القتالية على طول الساحل الغربي تسبب في نزوح أكثر من 100 ألف شخص داخل اليمن، وأجبر آلافاً آخرين على عبور مضيق باب المندب بحثاً عن الأمان في جيبوتي.
وشملت موجة النزوح محافظات الحديدة وتعز ولحج وعدن وأبين ومأرب والضالع وشبوة، بينما غادرت أسر كثيرة منازلها على عجل من دون أن تتمكن من حمل سوى القليل من ممتلكاتها، لتجد نفسها في مواقع مكتظة أو مجتمعات مستضيفة تعاني أصلاً محدودية الموارد والخدمات.
وتظهر الأرقام المتصاعدة سرعة اتساع الكارثة؛ ففي 11 سبتمبر، أعلنت منظمة الهجرة الدولية نزوح ما لا يقل عن 46 ألف شخص منذ اشتداد القتال (مطلع الشهر الجاري)، قبل أن يرتفع العدد إلى 82,164 نازحاً من مناطق الساحل الغربي.
وبعد أربعة أيام فقط، قالت المفوضية إن الحصيلة تجاوزت 100 ألف نازح، ما يعكس تدفقاً سريعاً للأسر الهاربة مع اتساع سيطرة الحوثيين والعمليات العسكرية المصاحبة لها.

وتحملت محافظة تعز النصيب الأكبر من الموجة الجديدة، إذ سجلت منظمة الهجرة نزوح نحو 8,300 أسرة، تضم قرابة 50 ألف شخص، من مديريات بينها مقبنة وجبل حبشي والمعافر وموزع والوازعية، كما نزحت 2,819 أسرة، أو نحو 17 ألف شخص، في لحج، و1,374 أسرة تضم قرابة 8,100 شخص في الحديدة، إضافة إلى أكثر من ألف نازح في عدن.
توسع حوثي يغير خريطة النزوح
ترتبط موجة النزوح الأخيرة بالتغيرات الميدانية التي شهدها غرب اليمن، بعد توسيع الحوثيين نطاق سيطرتهم في مديريات حيس والخوخة جنوبي الحديدة، والوازعية وموزع والمخا وذوباب وأجزاء من مقبنة غربي تعز، إلى جانب تقدمهم نحو جزر ومناطق استراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب.
ويعني هذا التوسع أن القتال لم يعد محصوراً في خطوط تماس بعيدة عن التجمعات السكانية، بل امتد إلى مدن ساحلية وطرق رئيسية ومناطق أخرى بينها ريفية كانت تمثل ممراً تجارياً وإنسانياً مهماً، فتحولت خلال أيام إلى مسارات للنزوح ومناطق يصعب الوصول إليها.
وفر آلاف المدنيين في حالة من الذعر مع اتساع رقعة المواجهات وتقدم الحوثيين إلى ساحل البحر الأحمر، ووصل بعضهم إلى مخيمات مؤقتة تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية، بينما تشتتت أسر واضطر أفراد منها إلى ترك أقاربهم خلفهم بسبب القصف وإغلاق الطرق وتعذر الحركة.
وتشير شهادات النازحين إلى أن كثيراً من الأسر لم تجد وقتاً كافياً لجمع المال أو الغذاء أو الملابس، وأن الأولوية كانت إخراج الأطفال من مناطق القصف ونيران القناصة والملاحقات الأمنية، ووصل الكثير منهم إلى مواقع النزوح من دون خيام أو فرش أو مصادر مياه آمنة، في وقت ترتفع درجات الحرارة وتتزايد مخاطر الأمراض وسوء التغذية.
ويمثل هذا التصعيد امتداداً لدورة الحرب التي بدأت بسيطرة الحوثيين على صنعاء وعدد من المحافظات في سبتمبر 2014، لكنه يحمل هذه المرة بعداً جغرافياً وإنسانياً أكثر خطورة، مع انتقال مركز المعارك إلى الساحل الغربي ووصول الجماعة إلى مناطق قريبة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
فرار عبر البحر
لم تعد حركة النزوح محصورة داخل اليمن، إذ عبر أكثر من 2,400 شخص البحر إلى جيبوتي خلال أربعة أيام، ووصلوا بصورة رئيسية إلى “أوبوك” و”خور أنغار” و”مولحولة” و”غودوريا”، وقالت المفوضية إن النساء والأطفال وكبار السن يمثلون أكثر من 60 بالمئة من الوافدين.
وتخوض الأسر رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر عبر باب المندب، غالباً على متن قوارب محدودة الإمكانات، بعدما استنفدت خيارات النزوح البري أو خشيت استمرار تمدد القتال، ويصل كثير من الفارين إلى جيبوتي وهم في حالة إنهاك واضطراب، ولا يحملون سوى مقتنيات قليلة تمكنوا من أخذها معهم.
ضحايا وهجمات على طرق الفرار
لا تقتصر التداعيات الإنسانية على النزوح، حيث قالت وزارة حقوق الإنسان في الحكومة الشرعية إن هجمات الحوثيين بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقصف بمختلف أنواع الأسلحة منذ الثالث من سبتمبر أدت إلى مقتل 150 مدنياً وإصابة أكثر من 200 آخرين في تعز والحديدة ومأرب.
وأضافت الوزارة أن القصف استهدف مناطق مأهولة ومخيمات نزوح وقوافل مدنيين فارين من مناطق المواجهات، وتسبب في تدمير ممتلكات وحرمان أسر من منازلها ومصادر دخلها واحتياجاتها الأساسية.
وتُحمّل هذه المعطيات جماعة الحوثي مسؤولية إشعال موجة النزوح الجديدة، بعدما بدأت هجماتها ووسعت عملياتها العسكرية ومساحة سيطرتها في جنوب الحديدة وغرب تعز، مستخدمة الأسلحة الثقيلة في مناطق مأهولة بالسكان، قبل أن تمتد تحركاتها إلى المخا وذوباب والمناطق والجزر القريبة من باب المندب.
ورغم أن استمرار المواجهات والغارات الجوية يزيد المخاطر التي يتعرض لها المدنيون، فإن الهجوم الحوثي واتساعه الجغرافي شكلا العامل المباشر في تفجير موجة النزوح الحالية وإجبار عشرات الآلاف على مغادرة مناطقهم خلال فترة قصيرة.
المساعدات تواجه الطرق المغلقة ونقص التمويل
تقول المفوضية إن الوصول الإنساني لا يزال يمثل تحدياً رئيسياً بسبب انعدام الأمن وتضرر الطرق وانقطاع الاتصالات والقيود المفروضة على الحركة، خصوصاً على الساحل الغربي وبين تعز والتربة وعدن،كما أدى تضرر ميناء المخا إلى تعقيد حركة فرق الإغاثة والإمدادات والعمليات اللوجستية.
وتشمل الاحتياجات الأكثر إلحاحاً توفير المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية والحماية، في وقت أصبحت فيه مواقع النزوح والمجتمعات المضيفة غير قادرة على استيعاب مزيد من الأسر من دون دعم خارجي عاجل.
وقدرت المفوضية حاجتها إلى 14 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الفورية للأسر النازحة داخل اليمن، إلى جانب تمويل إضافي لدعم عمليات الاستقبال والحماية والخدمات الأساسية في جيبوتي.
تداعيات تتجاوز اليمن
يحمل اتساع سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي آثاراً تتجاوز الأزمة الداخلية، نظراً إلى موقع المناطق التي دخلتها الجماعة بالقرب من مضيق باب المندب، الممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وتعبره شحنات تجارية وإمدادات إنسانية تخدم اليمن والسودان ودولاً أخرى.
وحذرت المفوضية من أن استمرار انعدام الأمن قد يؤثر في الملاحة الإنسانية والتجارية، ويرفع تكاليف النقل ويؤخر وصول الإمدادات الإغاثية، وفي حال تفاقم الأوضاع، قد تضطر السفن إلى تغيير مسارها عبر رأس الرجاء الصالح، ما يضيف ما بين 25 و30 يوماً إلى مدة الرحلات البحرية.
وأصبح باب المندب أكثر أهمية مع الاضطرابات التي تشهدها الملاحة عبر مضيق هرمز، ما يجعل تمدد جماعة مدعومة من إيران على الضفة اليمنية للمضيق تطوراً لا تقتصر تبعاته على الداخل اليمني، بل تطال أمن البحر الأحمر وسلاسل الإمداد والطاقة وعمليات الإغاثة في المنطقة.
وبينما ينصب الاهتمام الدولي على المخاطر التي تهدد الملاحة وأسواق الطاقة، يدفع المدنيون اليمنيون الكلفة المباشرة لهذا التحول؛ قتلى وجرحى، وأسر مشتتة، وأطفال يغادرون منازلهم ومدارسهم، وآلاف يخاطرون بعبور البحر هرباً من حرب أعادتهم، بعد سنوات من التهدئة الهشة، إلى نقطة الصفر.
وتكشف موجة النزوح الحالية أن توسع الحوثيين في غرب اليمن لا يمثل تحولاً عسكرياً فحسب، بل يؤسس لأزمة إنسانية ممتدة قد تتفاقم سريعاً ما لم تُحمَ طرق الفرار والمخيمات والمنشآت المدنية، ويُسمح بوصول المساعدات من دون قيود، ويتحرك المجتمع الدولي لوقف الهجمات ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين.








