مركز واشنطن للدراسات اليمنية – توفيق الحميدي
دفعتني شهادة الباحثة اليمنية الأميركية ندوى الدوسري أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، إلى العودة إلى ملف ظللت أتوقف أمامه طويلاً، متردداً في جمع وقائعه داخل تفسير واحد: ماذا يجري بين روسيا والحوثيين، وإلى أي مدى تجاوزت العلاقة الاتصالات السياسية إلى تعاون تتقاطع فيه المعلومات والسلاح والبشر والمصالح؟ فالشهادة، التي وضعت تعمق علاقات الحوثيين مع روسيا والصين ضمن التحولات في قدرات الجماعة، جاءت بعد سلسلة من التقارير التي تجعل السؤال أكثر إلحاحاً.
منذ 2024 ظهرت تقارير عن بيانات استهداف روسية وصلت إلى الحوثيين وساعدتهم في استهداف السفن في البحر الأحمر، وفق وول ستريت جورنال، وأنها انتقلت عبر الحرس الثوري الإيراني. وفي الفترة نفسها كشفت رويترز عن مفاوضات بوساطة إيرانية بشأن احتمال تزويد الحوثيين بصواريخ «ياخونت» الروسية المتقدمة المضادة للسفن. لم يثبت أن الصفقة تمت، كما لم تعترف موسكو بتقديم بيانات الاستهداف؛ لكن جمع هذه المعطيات يجعل العلاقة أبعد من مجرد زيارات وفود ومواقف دبلوماسية.
ثم ظهر مسار آخر يصل صنعاء بالحرب الروسية نفسها. فقد وثقت تحقيقات صحفية تجنيد يمنيين ونقلهم إلى روسيا عبر شبكة مرتبطة بعبدالولي الجابري، عضو مجلس النواب والشخصية العسكرية والسياسية المرتبطة بالحوثيين، قبل أن يجد بعضهم نفسه في وحدات روسية تقاتل في أوكرانيا. أهمية القصة ليست في عدد المجندين وحده، بل في أنها تكشف حركة في الاتجاه المعاكس: معلومات وخبرة تتحدث التقارير عن تحركها نحو المجال الحوثي، وبشر يتحركون من اليمن نحو المجهود الحربي الروسي.

لكن المعطى الذي دفعني إلى إعادة قراءة هذه الوقائع بصورة مختلفة كان تصريح دميتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، في الرابع من يوليو/تموز الماضي. فبعد زيارة لإيران تحدث عن مضيق هرمز باعتباره سلاحاً إيرانياً لا يقل، في تعبيره، قوة عن السلاح النووي، ثم وصف قدرة طهران على تعطيل الملاحة في باب المندب بأنها أشبه بـ«سلاح نووي حراري». أهمية العبارة ليست في مبالغتها، بل في التصور الاستراتيجي الذي تكشفه؛ فالمضائق، في هذه النظرة، ليست مجرد ممرات ينبغي حمايتها، وإنما مصادر قوة يمكن تحويل القدرة على تعطيلها إلى نفوذ سياسي واقتصادي.
والأكثر إثارة أن ميدفيديف تحدث عن باب المندب باعتباره ورقة قوة إيرانية، مع أن إيران لا تطل عليه جغرافياً. وهنا يبرز الحوثيون بوصفهم الحلقة التي تمنح طهران هذه القدرة عملياً: قوة محلية تمتلك الصواريخ والمسيّرات والوسائل البحرية وتتمركز على الساحل اليمني للبحر الأحمر. ومن هنا يكتسب توقيت التصريح أهمية خاصة: هل كان مجرد توصيف روسي لقيمة الجغرافيا اليمنية، أم أنه يعكس معرفة أعمق بالتحولات العسكرية والاستراتيجية التي كانت تتشكل حول باب المندب، ولا سيما مع الدور الإيراني في تطوير القدرات الحوثية؟
ولا يعني طرح السؤال افتراض وجود خطة روسية–إيرانية–حوثية مشتركة لإغلاق باب المندب؛ فالمعطيات المتاحة لا تسمح بهذا الاستنتاج. لكنه يفتح باب البحث في طبيعة الحضور الروسي في الملف اليمني ومستواه الحقيقي، خصوصاً منذ حرب غزة وما رافقها من تصاعد عمليات الحوثيين في البحر الأحمر وتكثف اتصالاتهم بموسكو. فالسؤال ليس ما إذا كانت روسيا تعرف مسبقاً بتوقيت معركة بعينها، وإنما ما الذي كانت تعرفه عن تطور القدرات الحوثية واتجاهاتها، وما إذا كانت تنظر إليها باعتبارها جزءاً من شبكة قوة إيرانية أوسع عند الممرات البحرية.
تبدو أمامنا، إذن، ثلاثة عناصر يمكن أن تتكامل من دون أن يعني ذلك وجود قيادة مشتركة: روسيا بما تملكه من استطلاع ومعلومات وتكنولوجيا عسكرية، وإيران بشبكتها الإقليمية وقدرتها على نقل الخبرة والسلاح، والحوثيون بما يملكونه من جغرافيا وقوة محلية عند باب المندب. وهنا تصبح قيمة الحوثيين بالنسبة إلى موسكو أكبر من حدود الحرب اليمنية.
ولفهم هذه القيمة ينبغي النظر إلى أوكرانيا. فالحرب الروسية–الغربية لم تعد محصورة في الجغرافيا الأوكرانية، بل امتدت إلى العقوبات والطاقة والتكنولوجيا والمعلومات. يستطيع الغرب زيادة تكلفة الحرب على موسكو عبر دعم كييف والضغط على الاقتصاد وقطاع الطاقة الروسيين، بينما تستطيع روسيا البحث عن ساحات أخرى ترتفع فيها تكلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها دون الدخول في حرب مباشرة معهم.

والبحر الأحمر يصلح لهذا النوع من الضغط. فموسكو لا تحتاج إلى قاعدة عسكرية في اليمن أو أسطول يغلق المضيق؛ وجود فاعل محلي قادر على تهديد السفن يكفي لاستنزاف الولايات المتحدة وحلفائها في حماية خطوط التجارة ونشر القوات واستهلاك وسائل اعتراض مكلفة. إنها صورة من صور الرد غير المتماثل: إذا استطاع خصمك رفع تكلفة حربك في أوكرانيا، تستطيع رفع تكلفته في مكان آخر.
وهنا تصبح الطاقة أكثر أهمية. فروسيا التي تتعرض منشآتها النفطية والتكريرية لضربات أوكرانية يمكن أن تستفيد من سوق عالمية أكثر توتراً. اضطراب الملاحة أو إمدادات الطاقة في البحر الأحمر والخليج قد يدفع الأسعار وتكاليف النقل والتأمين إلى الأعلى، بما قد يعوض موسكو جزئياً عن خسارة الكميات أو ارتفاع تكاليف التصدير. وإذا انتقلت الكلفة إلى أسواق الطاقة الأوروبية، فإنها تضيف ضغطاً اقتصادياً وسياسياً على أوروبا، وقد توسع النقاش هناك حول كلفة الحرب واستهداف منشآت الطاقة الروسية، وربما تزيد الضغوط على كييف لضبط هذا المسار. ليس مؤكداً أن يحدث ذلك، لكنه احتمال يمنح موسكو مصلحة إضافية في سوق متوترة: فالطاقة تصبح ساحة أخرى لتوزيع كلفة الحرب.
ومع ذلك، ليست مصلحة موسكو بالضرورة في إغلاق المضائق. روسيا نفسها تحتاج إلى التجارة والأسواق والممرات البحرية، والفوضى غير المنضبطة قد تضر بمصالحها. وربما تكمن القيمة في شيء أدق: إدارة الخطر لا إغلاق الطريق. فمجرد تهديد الملاحة يرفع تكاليف التأمين والنقل، ويغير مسارات السفن، ويستنزف القوى التي تحميها، ويجعل أسواق الطاقة أكثر حساسية. وبين هرمز وباب المندب والساحل السعودي تقع واحدة من أكثر خرائط الطاقة العالمية حساسية.
لكن الحوثيين ليسوا أداة صامتة في هذه العلاقة. موسكو تمنحهم فرصة لتنويع علاقاتهم الخارجية، والحصول على معلومات وخبرات وتقنيات، والأهم فتح قناة مع قوة دائمة العضوية في مجلس الأمن. وفي المقابل، يقدم الحوثيون لموسكو فاعلاً محلياً يمتلك الجغرافيا والقدرة على إنتاج الخطر عند أحد أهم شرايين التجارة والطاقة. لذلك تبدو العلاقة أقرب إلى استخدام متبادل وتقاطع مصالح منها إلى علاقة وكيل روسي جديد.
ولا تسمح الأدلة المتاحة بالقول إن روسيا تدير القرار العسكري الحوثي أو خططت للهجمات الأخيرة. فالاستفادة من الحدث لا تثبت صناعته، وتقاطع المصالح لا يعني وحدة القرار. لكن بيانات الاستهداف المنسوبة إلى روسيا، ومفاوضات الصواريخ، وشبكة نقل اليمنيين إلى روسيا، والعلاقات السياسية المتنامية، ثم حديث ميدفيديف عن باب المندب كسلاح استراتيجي، تجعل السؤال مشروعاً: ماذا اكتشفت روسيا في الحوثيين؟
ربما اكتشفت فاعلاً محلياً يستطيع، بالجغرافيا والسلاح، رفع تكلفة خصومها بعيداً عن أوكرانيا، بينما اكتشف الحوثيون في روسيا شريكاً يملك التكنولوجيا والمعلومة والنفوذ السياسي. وإذا تلاقت هذه المصالح، حتى من دون غرفة عمليات مشتركة، يصبح اليمن جزءاً من خريطة أوسع تمتد من باب المندب وهرمز إلى طهران وموسكو وأوكرانيا.
وعندها قد لا تكون موسكو هي التي صنعت الجبهة اليمنية، لكنها ربما اكتشفت أن في صنعاء جبهة بعيدة يمكن توظيفها في حرب أكبر بكثير من اليمن.








