انتقل التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، الذي تقوده السعودية، خلال أقل من شهرين من مرحلة الإعلان السياسي وبناء الهياكل إلى بلوغ “القدرة التشغيلية الأولية” والاستعداد للانتشار في البحر، في إطار تحرك دولي يستهدف حماية حرية الملاحة وخطوط التجارة وإمدادات الطاقة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
وكشف اجتماع التخطيط الرابع، الذي عُقد في قيادة الأسطول الغربي بمدينة جدة الخميس 17 سبتمبر أيلول 2026، أن التحالف بدأ دمج قدرات الدول المشاركة وتهيئتها للعمل تحت قيادة موحدة، تمهيداً للوجود الفعلي وتنفيذ مهام دفاعية في منطقة عملياته.
وشارك في الاجتماع 154 من قادة القوات البحرية والمخططين والسفراء وممثلي الاتحاد الأوروبي، يمثلون 41 دولة، فيما بلغ عدد ضباط الارتباط العاملين ضمن ترتيباته 28 ضابطاً، وفق ما ذكرته وزارة الدفاع السعودية.
وقال قائد التحالف، اللواء البحري الركن عبدالله بن سالم الشهري، إن حماية الممرات الدولية مسؤولية جماعية، وإن أي تهديد لحرية الملاحة سيُواجَه بالردع من دول تعمل تحت قيادة واحدة وبقدرات متكاملة.
ولم يحدد التحالف موعداً لبدء الانتشار البحري أو حجم القوات والقطع التي ستشارك في عملياته، لكنه وصف الاجتماع الأخير بأنه انتقال من مرحلة التأسيس إلى العمل الفعلي.
كيف بدأ التحالف؟
ظهر التحالف إلى العلن في 30 يوليو/تموز 2026، عندما استضافت الرياض اجتماعاً لرؤساء هيئات الأركان وممثلي الدول المدعوة لمناقشة مبادرة سعودية لإنشاء إطار دفاعي بحري متعدد الجنسيات، حضر الاجتماع ممثلون عن 43 دولة، إلى جانب مندوبة الاتحاد الأوروبي، من أصل 51 دولة ومنظمة وُجهت إليها الدعوة، حضورياً أو عبر الاتصال المرئي.
وفي ختام الاجتماع، أعلنت 14 دولة موافقتها على إنشاء التحالف ودعم ترتيباته التأسيسية، مع بقاء باب الانضمام مفتوحاً أمام الدول التي تتشارك أهدافه ومبادئه.
ولم تُعلن في ذلك الوقت قائمة كاملة بالدول المؤسسة، إذ ارتبط الانضمام الرسمي باستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية لكل دولة والتوقيع على ميثاق التحالف.

وأظهرت بيانات عسكرية وصور الاجتماع مشاركة ممثلين عن دول من مناطق مختلفة، بينها السعودية والولايات المتحدة واليمن وسلطنة عُمان والكويت والبحرين والأردن والسودان والمغرب وبنغلاديش والمالديف ونيوزيلندا، غير أن الحضور في الاجتماعات أو الظهور في الصور لا يعني بالضرورة اكتمال العضوية الرسمية، لأن المشاركة العملياتية والانضمام إلى الميثاق يخضعان لإجراءات وطنية منفصلة.
ما أهدافه ومنطقة عمله؟
يعرّف الميثاق التحالف بوصفه إطاراً للتعاون الدفاعي البحري يهدف إلى تعزيز الأمن البحري، وحماية حرية الملاحة، وتأمين خطوط التجارة الدولية وطرق إمدادات الطاقة، وحماية المصالح البحرية المشتركة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
وتشمل مجالات التعاون المعلنة تبادل المعلومات والاستخبارات، والتخطيط العملياتي، والتمارين المشتركة، والتدريب وبناء القدرات، والاستفادة من الدروس المكتسبة، وتنفيذ عمليات بحرية مشتركة.
ويقوم التصور التشغيلي على وحدة القيادة، وتكامل القدرات، وتبادل المعلومات، وتنسيق الجهود لمواجهة التهديدات التي تستهدف السفن التجارية وناقلات الطاقة والبنية التحتية البحرية والممرات والمضائق الدولية.
ويؤكد الميثاق أن التحالف ذو طبيعة دفاعية خالصة، ولا يستهدف دولة أو تحالفاً أو منظمة دولية، وأن أنشطته تُنفذ وفق القانون الدولي واتفاقيات الأمم المتحدة والأعراف الدولية، مع احترام سيادة الدول، كما تبقى مشاركة كل دولة في أنشطته وعملياته قراراً سيادياً يخضع لأنظمتها وإجراءاتها الوطنية.
كيف بُنيت القيادة؟
تُعد السعودية الدولة المؤسسة والقائدة للتحالف، وتستضيف مقره الرئيسي الدائم وأجهزته التنفيذية، وفي مقدمتها القيادة المشتركة، ومركز القيادة والسيطرة، ومركز العمليات والتنسيق البحري المشترك، ومركز استخبارات التحالف، والأمانة العامة.
وفي 6 أغسطس/آب، عُيّن اللواء البحري الركن عبدالله بن سالم الشهري قائداً للتحالف، ليتولى قيادة المهام البحرية المشتركة والتنسيق بين الدول الأعضاء والتحالفات الأخرى.
وبعد أسبوع، أُعلن التوافق على أن يكون نائب القائد في الدورة الأولى من باكستان، إلى جانب تحديد مقر القيادة واعتماد الشعار واستكمال الأطر التنظيمية والأدلة المرجعية.
ويكشف هذا البناء عن محاولة إنشاء قيادة دائمة وليست غرفة تنسيق مؤقتة، تجمع ضباطاً وكوادر من الدول الأعضاء داخل هيكل قيادة وأركان مشتركة، وتربط العمل العملياتي بمراكز للمعلومات والاستخبارات والتنسيق البحري.
من التأسيس إلى الجاهزية
تدرج التحالف عبر سلسلة اجتماعات متقاربة، فبعد اجتماع التأسيس في الرياض، عقد المخططون العسكريون اجتماعات في 12 و13 أغسطس/آب لاستكمال متطلبات البناء المؤسسي.
وفي اجتماع التخطيط الثالث بقيادة الأسطول الغربي في جدة، شارك ممثلون عن 39 دولة، وارتفع عدد الدول الموقعة على البيان المشترك إلى 15 دولة، فيما كانت 13 دولة قد استكملت إجراءاتها الوطنية ووقعت الميثاق وأعلنت انضمامها رسمياً.
ومثلت تلك المرحلة الانطلاقة المؤسسية للتحالف، إذ بدأت ترتيبات استقبال الضباط والكوادر ودمجهم في القيادة المشتركة ومركز العمليات ومركز الاستخبارات، بالتوازي مع انتقال الجهد من صياغة الوثائق والهياكل إلى تحديد مساهمات الدول وبناء القدرات العملياتية.
وفي الاجتماع الرابع، اتسع نطاق المشاركة إلى ممثلي 41 دولة، وتركزت المناقشات على متطلبات العمل المشترك، والقدرات التي ستقدمها الدول، ورفع الجاهزية ضمن قيادة موحدة.
وإعلان بلوغ القدرة التشغيلية الأولية يعني أن التحالف بات يمتلك الحد الأدنى من القيادة والأفراد والإجراءات اللازمة لبدء بعض المهام، لكنه لا يعني اكتمال جميع القدرات أو بلوغ الجاهزية التشغيلية الكاملة.
لماذا باب المندب؟
يربط مضيق باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل حلقة رئيسية في الطريق البحري الممتد إلى قناة السويس والبحر المتوسط، ولذلك فإن تعطيل الملاحة فيه لا يقتصر أثره على الدول المطلة، بل يمتد إلى التجارة بين آسيا وأوروبا، وأسواق الطاقة، وكلفة الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
وجاء تأسيس التحالف عقب تصاعد التهديدات في البحر الأحمر، ففي 20 يوليو/تموز، أعلنت جماعة الحوثي فرض ما سمته “حظراً بحرياً” على السعودية، قبل أن تعلن استهداف سفن سعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأعلنت الرياض في المقابل تعرض إحدى سفنها لهجوم ونجاة طاقمها، ثم شنت غارات على مواقع في ميناء الحديدة قالت إنها منشآت عسكرية تُستخدم لتهديد الملاحة التجارية.
وتزامنت التطورات في باب المندب مع تهديدات إيرانية في مضيق هرمز، ما زاد المخاوف من تعرض اثنين من أهم الممرات البحرية لإمدادات الطاقة لضغوط متزامنة.
وقد دفعت المخاطر الأمنية شركات شحن وناقلات إلى تعديل مساراتها حول إفريقيا، مع ما يترتب على ذلك من زيادة زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين واضطراب الإمدادات.
ما الذي يميزه عن التحالفات القائمة؟
يختلف التحالف البحري الدفاعي عن التحالف الذي تقوده السعودية لدعم الحكومة اليمنية منذ عام 2015؛ فالإطار الجديد متعدد الجنسيات ومهمته المعلنة بحرية ودفاعية، ويركز على حماية الملاحة والممرات والتجارة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وليس إدارة العمليات البرية والجوية المرتبطة بالحرب اليمنية.
كما يقدم نفسه بوصفه مبادرة دولية مفتوحة تتكامل مع الجهود الأخرى لحماية الأمن البحري، مع إسناد القيادة والمقر الدائم للسعودية، ويظل اختبار هذا التكامل مرتبطاً بكيفية تنسيق عملياته مع القوى والتحالفات البحرية الموجودة أصلاً في المنطقة، وتحديد نطاق المسؤولية وقواعد الاشتباك وتبادل المعلومات ومنع ازدواج المهام.
ما الذي لا يزال غير معلن؟
على الرغم من التقدم المؤسسي السريع، لا تزال تفاصيل أساسية غير منشورة، بينها القائمة النهائية للدول الأعضاء، وحجم مساهمة كل دولة، وعدد السفن والطائرات والوحدات المخصصة، وحدود قطاع المسؤولية، وقواعد الاشتباك، وآلية اتخاذ القرار، والجدول الزمني للانتشار وبلوغ القدرة التشغيلية الكاملة.
وتكشف الأرقام المعلنة عن دوائر مشاركة متفاوتة: دول حضرت الاجتماعات، وأخرى وقعت البيان المشترك، ودول استكملت الانضمام الرسمي، إلى جانب دول ترسل ضباط ارتباط أو تدرس مساهماتها، ولذلك لا ينبغي التعامل مع مشاركة 41 دولة في اجتماع جدة باعتبارها، تلقائياً، عضوية عملياتية مكتملة لجميعها.
ومع ذلك، فإن وصول التحالف إلى القدرة التشغيلية الأولية خلال أسابيع يعكس أولوية سياسية وعسكرية متقدمة لدى الدول المشاركة، وستتحدد فاعليته الفعلية بقدرته على تحويل هذا الاتساع الدبلوماسي إلى قوات ووسائل مراقبة واستخبارات واستجابة بحرية قابلة للعمل المشترك، وعلى ردع الهجمات دون توسيع نطاق المواجهة في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.








