تحل الذكرى الثانية عشرة لانقلاب ميليشيا الحوثي في 21 سبتمبر 2014، فيما لا يزال اليمنيون يدفعون أثمان اليوم الذي اجتاحت فيه الجماعة المسلحة المدعومة من إيران العاصمة صنعاء، وأسقطت مؤسسات الدولة، وفتحت البلاد على واحدة من أكثر الحروب دمويةً وتعقيداً في تاريخها الحديث.
لم يكن سقوط صنعاء مجرد انتقال للسلطة أو تغيير في موازين القوى السياسية، بل مثّل نقطة تحوّل كارثية أطاحت بالعملية الانتقالية التي أعقبت ثورة فبراير، وقوضت مؤسسات الدولة، ودفعت ملايين اليمنيين إلى الفقر والنزوح، وحوّلت البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة وورقة في صراعات إقليمية تتجاوز حدود اليمن.
ومنذ ذلك اليوم، تبدلت حياة اليمنيين على نحو جذري؛ انهار الاقتصاد، وتوقفت رواتب مئات الآلاف من الموظفين، وتدهورت الخدمات العامة، واتسعت رقعة الجوع والبطالة، بينما فرضت الميليشيا في مناطق سيطرتها نظاماً قائماً على القوة والقمع والجبايات والتعبئة العقائدية.
من عمران إلى صنعاء
بدأ الطريق إلى الانقلاب قبل أشهر من اجتياح العاصمة، عندما وسّعت ميليشيا الحوثي عملياتها العسكرية انطلاقاً من محافظة صعدة، وسيطرت في يوليو 2014 على محافظة عمران، بعد معارك انتهت بسقوط اللواء 310 ومقتل قائده العميد حميد القشيبي.
ومن عمران، نقلت الميليشيا ثقلها العسكري والسياسي نحو صنعاء، مختبئة تحت لافتة رفض جرعة سعرية أقرتها الحكومة على المشتقات النفطية، ونصبت مخيمات مسلحة عند مداخل العاصمة، قبل أن تبدأ هجوماً واسعاً على مواقع عسكرية ومؤسسات حكومية.
وفي 21 سبتمبر 2014، تمكن الحوثيون، بمساندة قوات تابعة للرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، من السيطرة على مقر الحكومة والقيادة العامة للقوات المسلحة ومؤسسات أمنية وعسكرية وإعلامية، مع وقوف وزارة الدفاع والجيش موقف المتفرج متذرعة بالحياد.
وفي اليوم نفسه، وُقع “اتفاق السلم والشراكة الوطنية” برعاية الأمم المتحدة، لكن الميليشيا استخدمته غطاءً لتثبيت سيطرتها، ولم تنفذ التزاماتها المتعلقة بسحب مسلحيها وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى الدولة.
وخلال الأشهر التالية، أحكم الحوثيون قبضتهم على صنعاء، ووضعوا الرئيس عبدربه منصور هادي ورئيس الحكومة خالد بحاح وعدداً من الوزراء تحت الإقامة الجبرية، قبل أن يصدروا في فبراير 2015 ما سموه “الإعلان الدستوري”، الذي حلوا بموجبه البرلمان واستكملوا الانقلاب على مؤسسات الدولة.
حرب امتدت إلى كل منزل
لم تتوقف الجماعة عند حدود صنعاء، بل دفعت بمسلحيها نحو محافظات مأرب وتعز والبيضاء وإب والحديدة، ثم تقدمت جنوباً باتجاه عدن، ما أدخل البلاد في حرب شاملة واستدعى تدخلاً عسكرياً بقيادة السعودية في مارس 2015، بعد أن تلقت طلباً من الرئيس اليمني.
وعلى امتداد سنوات الحرب، تحولت مدن وقرى يمنية إلى ساحات قتال، وقُتل وأصيب عشرات الآلاف من المدنيين، فيما فقد ملايين السكان منازلهم ومصادر دخلهم واضطروا إلى النزوح داخل البلاد أو الهجرة خارجها.
وكانت تعز واحدة من أكثر المحافظات تضرراً، إذ فرض الحوثيون حصاراً على المدينة وقصفوا أحياءها السكنية بصورة متكررة، بينما زرعت الجماعة الألغام في الطرق والمزارع ومحيط التجمعات السكانية في عدد من المحافظات، مخلفةً ضحايا مدنيين يستمر سقوطهم حتى اليوم.
وبعد 12 عاماً، لا تزال الجبهات مفتوحة، وقد أدى التصعيد الحوثي الأخير على الساحل الغربي وفي محافظات تعز ولحج ومأرب إلى موجة نزوح جديدة تجاوزت، وفق المنظمة الدولية للهجرة، 104 آلاف شخص داخل اليمن، إضافة إلى آلاف اليمنيين الذين عبروا البحر بحثاً عن الأمان في جيبوتي.
دولة موازية واقتصاد منهك
في مناطق سيطرتها، عملت ميليشيا الحوثي على تفكيك مؤسسات الدولة وإعادة تشكيلها بما يخدم سلطتها، وأحلت مشرفين تابعين لها محل المسؤولين الإداريين، وسيطرت على الموارد العامة والمؤسسات الإيرادية، وحوّلت جانباً كبيراً منها إلى تمويل المجهود الحربي.
ومنذ أواخر عام 2016، حُرم غالبية الموظفين الحكوميين في مناطق سيطرة الجماعة من رواتبهم بصورة منتظمة، في وقت استمرت فيه الجماعة بتحصيل الضرائب والجمارك والزكاة ورسوم الاتصالات وغيرها من الإيرادات.
وفرض الحوثيون سلسلة واسعة من الجبايات على التجار وأصحاب المحال والمزارعين ومالكي العقارات ووسائل النقل، تحت مسميات متعددة، من بينها دعم الجبهات وإقامة الفعاليات الطائفية، ما أدى إلى إغلاق مئات المنشآت وتسريح عمال وارتفاع كلفة السلع والخدمات.
وفي مقابل التدهور المعيشي، أنشأت الجماعة شبكات اقتصادية وتجارية مرتبطة بقياداتها، ومنحتها امتيازات في قطاعات الوقود والاتصالات والعقارات والاستيراد، بينما أصبحت غالبية الأسر عاجزةً عن تأمين احتياجاتها الأساسية.

التعليم في خدمة الحرب
كان قطاع التعليم من أبرز ضحايا الانقلاب، بعدما أخضعت الجماعة المدارس والجامعات لسلطتها، وأجرت تعديلات على المناهج الدراسية، وأدخلت إليها أفكاراً تعزز الولاء لقيادتها ورؤيتها العقائدية.
كما كثفت الجماعة الأنشطة الطائفية والدورات التعبوية داخل المؤسسات التعليمية، واستخدمت المدارس والمساجد والمراكز الصيفية لاستقطاب الأطفال وتعبئتهم وإلحاقهم بجبهات القتال.
وخلال سنوات الحرب، وثقت تقارير حقوقية محلية ودولية تجنيد آلاف الأطفال، بعضهم من المدارس والأحياء الفقيرة، قبل إرسالهم إلى الخطوط الأمامية، وعادت جثامين كثير منهم إلى أسرهم بعد مراسم تشييع حولتها الجماعة إلى وسيلة جديدة لاستقطاب مقاتلين آخرين.
وتزامن ذلك مع تدهور أوضاع المعلمين وحرمانهم من الرواتب، وتسرب أعداد كبيرة من الطلاب من المدارس، إما لعجز أسرهم عن تحمل تكاليف الدراسة، أو لدفعهم إلى سوق العمل أو جبهات القتال.
قمع المجال العام
منذ سيطرتها على صنعاء، أغلقت ميليشيا الحوثي وسائل إعلام ومكاتب قنوات وصحفاً ومواقع إلكترونية، ونهبت تجهيزاتها، واعتقلت صحفيين وعاملين في المجال الإعلامي، ما دفع كثيرين إلى مغادرة مناطق سيطرتها.
كما شنت الميليشيا حملات اعتقال وإخفاء قسري استهدفت سياسيين وناشطين وطلاباً وأكاديميين وخطباء مساجد وعاملين في منظمات المجتمع المدني، وأصدرت محاكم خاضعة لها أحكاماً بالإعدام شملت المئات من اليمنيين ومصادرة الممتلكات بحق معارضيها.
وامتد القمع إلى المواطنين بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو مشاركتهم في تجمعات عامة، فيما تعرض مختطفون داخل سجون الجماعة للتعذيب وسوء المعاملة، وفارق المئات منهم الحياة أثناء الاحتجاز أو بعد الإفراج عنهم بفترات قصيرة.
وفي السنوات الأخيرة، ضيقت الميليشيا بصورة متزايدة على النساء، وفرضت قيوداً على حركتهن وعملهن، واستحدثت اشتراطات للسفر والتنقل، إلى جانب حملات استهدفت العاملات في المجال العام والناشطات.
تغيير هوية المجتمع
لم يقتصر مشروع الحوثيين على السيطرة العسكرية والسياسية، بل امتد إلى محاولة إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية سلالية وطائفية، عبر السيطرة على المساجد والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية.
وفرضت الميليشيا مناسباتها وشعاراتها في المؤسسات العامة والشوارع والمدارس، وربطت الحصول على الوظائف والمساعدات والامتيازات بدرجة الولاء لها، فيما دفعت بقيادات تنتمي إلى سلالة زعيمها أو تدين له بالولاء إلى مواقع القرار والنفوذ.
كما استولت على منازل وأراضي وممتلكات معارضين، وأخضعت القطاع القضائي والأمني لإشرافها، الأمر الذي حرم الضحايا من الوصول إلى قضاء مستقل أو جهة يمكنها إنصافهم.
من انقلاب داخلي إلى تهديد إقليمي
مع مرور السنوات، تجاوزت تداعيات الانقلاب حدود اليمن، حيث طورت الميليشيا، بدعم إيراني، ترسانة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، واستخدمتها في مهاجمة الأراضي السعودية والإماراتية وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
وأدت هجمات الحوثيين على السفن التجارية إلى اضطراب خطوط الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتحول الساحل اليمني إلى إحدى أكثر مناطق الملاحة خطورةً، بعدما كان الانقلاب قد بدأ بخطاب محلي يزعم محاربة الفساد وتنفيذ إصلاحات اقتصادية.
ومع التصعيد العسكري الأخير، توسعت تهديدات الميليشيا مجدداً نحو الساحل الغربي وباب المندب والعمق السعودي، في تأكيد جديد على أن بقاء مؤسسات الدولة اليمنية مختطفةً بيد جماعة مسلحة لا يمثل خطراً على اليمنيين وحدهم، بل يهدد أمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.
جرح مفتوح
بعد 12 عاماً، لم تعد ذكرى 21 سبتمبر مجرد محطة سياسية في تاريخ اليمن، بل تاريخاً فاصلاً بين دولة كانت تعاني أزمات قابلةً للمعالجة وبلد مزقته الحرب والجوع والنزوح والانقسام.
دخل الحوثيون صنعاء رافعين شعارات إسقاط الجرعة ومحاربة الفساد، لكن النتيجة كانت إسقاط الدولة نفسها، ونهب مواردها، وقطع رواتب موظفيها، وإغلاق المجال العام، وتحويل ملايين اليمنيين إلى محتاجين للمساعدات الإنسانية.
وبينما تحاول الميليشيا تقديم انقلابها باعتباره “ثورة”، تستعيد الأسر اليمنية في هذه الذكرى خسائرها: قتيل أو مختطف، منزل مدمر، وظيفة مفقودة، راتب منقطع، طفل حُرم من التعليم، أو أسرة شردتها الحرب بعيداً عن موطنها.
اثنا عشر عاماً مرت، ولا يزال يوم 21 سبتمبر يلقي بظلاله الثقيلة على اليمن، فما بدأ باجتياح مسلح للعاصمة انتهى بتقويض الدولة وتمزيق المجتمع وإغراق البلاد في حرب لم ينجُ من آثارها بيت يمني تقريباً.








